ابن قيم الجوزية

592

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

كيف نكلمه ؟ وهذا هو المعنى الذي حام حوله من قال من المفسرين والمعربين : أن « كان » نبيا . بمعنى « يكون » لكنهم لم يأتوا إليه من بابه ، بل ألقوه عطلا من تقدير وتنزيل ، وعزب فهم غيرهم عن هذا ، للطفه ودقته . فقالوا : « كان » زائدة . والوجه ما أخبرتك به ، فخذه عفوا ، لك غنمه ، وعلي غرمه . هل على « من » في الآية قد عمل فيها الفعل وليس لها جواب ، ومعنى الشرطية قائم فيها فكذلك في قوله : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وهذا كله مفهوم من كلام فحول النحاة كالزجاج وغيره . فإذا ثبت هذا فقد صحت الحكمة التي من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضي من قوله : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ بخلاف قوله : وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ لبعد « ما » فيها عن معنى الشرط ، تنبيها من اللّه على عصمة نبيه أن يكون له معبود سواه ، وأن يتنقل في المعبودات تنقل الكافرين . وأما المسألة الرابعة هي : أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل ، وفي جهته جاء بالفعل تارة وباسم الفاعل أخرى . فذلك - واللّه أعلم - لحكمة بديعة وهي : أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت . فأتى أولا بصيغة الفعل الدالة على الحدوث والتجدد ، ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل في الثاني : أن هذا ليس وصفي ولا شأني ، فكأنه قال : عبادة غير اللّه لا تكون فعلا لي ولا وصفا لي . فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي . وأما في حقهم فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوت دون الفعل . أي إن الوصف الثابت اللازم العائد للّه منتف عنكم ، فليس هذا الوصف ثابتا لكم ، وإنما ثبت لمن خص اللّه وحده بالعبادة ، ولم يشرك معه فيها أحدا ، وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه . وإن عبدوه في بعض الأحيان ، فإن المشرك